في الحاجة إلى الوسيط الثقافي - صحف نت

في الحاجة إلى الوسيط الثقافي - صحف نت
في الحاجة إلى الوسيط الثقافي - صحف نت

الأربعاء 3 يناير 2018 01:20 صباحاً

- كان المثقف في المجتمع التقليدي هو من يعرف القراءة والكتابة، ويحفظ شيئا من القرآن الكريم، وبعض الأمور الفقهية. إنه الفقيه الذي يؤدي وظيفة اجتماعية تتصل بطبيعة ذاك المجتمع.
لكن بروز الطباعة، وما أحدثه الاستعمار من بينات تحتية (الصحافة ـ التعليم ـ الإعلام..) أدى إلى تزايد أعداد المتعلمين الذين يحملون ثقافة أوسع بسبب انتشار الكتاب، والمجالس الثقافية والأدبية. فتنوعت معارف المثقف العصري، فلم تعد تقتصر على الجوانب الدينية، أو الأدبية، وصارت منفتحة على علوم جديدة، تتصل بالقانون، والطب، والصحافة.. إلى جانب الاطلاع على الثقافات الأخرى عن طريق الترجمة. وبذلك اتسعت الهوة بين من يمكن اعتباره مثقفا، ومن لا يملك من الثقافة إلا ما تقدمه له الوسائط الجماهيرية، أو ما انتهى إليه من الثقافة الشعبية.
إن هذا المثقف العصري هو من سيكتسب المكانة الرئيسية داخل المجتمع، وسيكون هو المؤهل أكثر من غيره لاحتلال المواقع المهمة داخل المجتمع، بل إن الصراعات السياسية والاجتماعية التي سيعرفها المجتمع هي وليدة التباين بين المثقفين الذين تنوعت مشاربهم الثقافية، ونزعاتهم في التفكير في ما ينبغي أن يكون عليه المجتمع. وما التناقض بين الأصالة والمعاصرة سوى تجسيد لذلك التمايز بين المثقفين، الذين كانوا يتوزعون بحسب علاقتهم بالتراث أو الثقافة الأجنبية.
ظل هذا التمايز قائما مدة طويلة من الزمن، وهو مستمر إلى الآن. وظلت الكتابة هي الأداة الأساسية التي يتميز بها المثقف أيا كان موقعه داخل المجتمع عن غيره من الناس. ولممارسة الكتابة، أيا كان نوعها، لا بد من امتلاك مهارات بلاغية (تقنيات الكتابة)، ومعلومات خاصة يتوفر عليها من خلال اطلاعه على ما لا يعرفه غيره (المعرفة الخاصة) إلى جانب ذكاء خاص بسبب قراءاته وتجاربه. وإذا لم تكن عند هذا المثقف مهارة الكتابة، لا بد أن يعوضها بالقدرة الشفاهية (الخطابة) على التبليغ. أما إذا اجتمعت لديه المهارتان الكتابية والشفاهية فهو المؤهل أكثر من غيره ليكون «الزعيم».
كانت وظيفة هذا المثقف المركزية تتمثل في لعب دور الوسيط الثقافي الذي يكتب القصيدة الحماسية، أو المقالة الاجتماعية النارية أو التحليل السياسي. إنه، بشكل أو بآخر، يعرف ما يجهله الكثيرون عن النظريات الفكرية والسياسية، والاقتصادية، والعلاقات الدولية، وهو يصرِّف هذه «المعرفة» من خلال الصحافة، أو نشر الكتب، أو عبر «المجالس» المختلفة، سواء كانت عامة (ندوات)، أو خاصة (مقرات الأحزاب).
كانت الوساطة الثقافية التي يضطلع بها هذا المثقف تتحدد من خلال الكتابة، وهي تتوجه بصورة عامة إلى من يمتلك آليات القراءة، وينخرط في مسار أو تيار ثقافي معين. لقد أدى بروز هذا النوع من المثقفين إلى ظهور نوع آخر من الـ»مثقفين» من درجة ثانية. يقوم هؤلاء بنقل ما يصل إليهم من إنتاجات ذاك المثقف إلى قطاع أوسع عن طريق التأطير الشفاهي في المجالس المختلفة، وبذلك برز التمايز، حين نربط الثقافة بالسياسة، بين المثقف «العضوي» أو الملتزم، والمناضل. وليس المناضل سوى مثقف يروج للثقافة المراد نشرها، إما عن طريق توزيع الكتب، أو الغناء أو الأدب الملتزم إلى قطاع من المناضلين المحتملين.
هذه هي صورة المثقف كما تحققت في الغرب وفي الوطن العربي إلى نهايات القرن الماضي. إنه المفكر والكاتب في القضايا التي تهم المجتمع في المجالات السياسية والاجتماعية والثقافية العامة، وهو يصل الفكر بالعمل. بدأت هذه الصورة تتشكل في الغرب مع موسوعيي عصر الأنوار، وتكرست في القرن التاسع عشر، عصر الثورة الصناعية، لكن هذه الصورة بدأت تختلف مع ظهور الوسائط المتفاعلة، حيث صارت «المعلومات» مشتركة بين الناس، وصارت الوسائط متعددة لا تقتصر على الكتابة فقط، بل إنها بدأت تفقد سلطتها منذ أن صار الوسيط الرقمي متاحا لكل الناس. وكان لزاما أن تتغير صورة المثقف، ليس في الغرب فقط، بل في العالم أجمع.
برز الحديث في الغرب، منذ بداية الألفية الثالثة، عن «الوسيط الثقافي» ليحتل موقعا ثقافيا متميزا بالمقارنة مع المثقف العصري، الذي ظل موجودا، ولكن تأثيره تراجع بالقياس إلى هذا «الفاعل الثقافي الجديد». ارتبط الحديث عن «الوسيط الثقافي» بدمقرطة الثقافة والثقافة الديمقراطية مع ظهور الوسائط الجديدة. ولما كان المجتمع الغربي مختلفا عن العربي على المستوى التعليمي والثقافي، وحيث الوسائط المختلفة، أيا كان نوعها، تقوم بأدوارها بشكل طبيعي في التواصل بين أفراد المجتمع، برزت الحاجة، بسبب تزايد أعداد المهاجرين، إلى دور «الوسيط الثقافي» الذي يعمل على تكوينهم تكوينا يتلاءم مع متطلبات الإدماج الاجتماعي والثقافي في المجتمع الجديد الذي صاروا يعيشون فيه.
لكي يضطلع الوسيط الثقافي بدوره الثقافي لا بد له من معرفة ثقافية خاصة تتصل بالمجتمع الذي ينتمي إليه من جهة، كما أنه في حاجة، من جهة أخرى، إلى معرفة مِهنية بطرق التواصل والتبليغ، أي إلى تقنيات جديدة لنقل المعرفة وتوصيلها إلى مواطنين محتملين.
يسجل الجميع تراجع «الوساطة الثقافية» التقليدية للمثقف العربي، والحاجة ماسة لوساطة ثقافية جديدة عربية.

٭ كاتب مغربي

بإمكانكم إيضاً مطالعة خبر (في الحاجة إلى الوسيط الثقافي) من موقع (القدس العربي)

السابق نـائـب رئـيـس الــحــكــومــة التركية: نفذ صبرنا وسيتم اتخاذ خطوات فــي سوريا لضمان الأمـــن القومي - صحف.نت
التالى وست بروميتش يُعقد حسابات أرسنال بتعادل في الوقت الميت - صحف نت