أخبار عاجلة

الواقعي والافتراضي… أي حدود؟ - صحف نت

الواقعي والافتراضي… أي حدود؟ - صحف نت
الواقعي والافتراضي… أي حدود؟ - صحف نت

السبت 2 ديسمبر 2017 01:14 صباحاً

- يسقط المتأمل في واقع الإنسان المغربي في ضبابية لا قاع لها أمام شدة التناقضات وهول المفارقات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية. لقد بيّن أحد رواد السوسيولوجيا المغربية بول باسكون أن المجتمع المغربي يتسم بالتركيب والفسيفسائية حيث أنه يتعايش فيه مختلف الأفراد بغض النظر عن أعراقهم وأجناسهم وألوانهم ولغتهم ودينهم وأنساقهم الثقافية والرمزية.
أما في الفترة الحالية، وبعد التحولات الجذرية التي عرفها المجتمع المغربي (ليس استثناء) والتصدعات الناتجة عن العولمة وموجة التطورات المتلاحقة في تكنولوجيا المعلومات والاتصال أو ما يسمى بالثورة الرابعة بعد تلك التي أحدثها على التوالي كل من كوبرنيكوس وداروين وفرويد، فقد شكّلت معها منظور جديد للمرأة والطفل والأسرة والمدرسة وباقي المؤسسات التنشئوية الأخرى من جهة، وكشفت عن المخفي واللامفكر فيه ضمن ثنايا المجتمع من جهة أخرى، ذلك بالنظر إلى إغراءات التكنولوجيا الجديدة وسحريتها وعدم إدراك ماهيتها وحقيقتها.
انطلاقا من هذ الوضع نتساءل عن السبيل إلى فهم وتفسير موضوعيين للمجتمع، يرمي إلى تحديد خصائص الإنسان المغربي في ضوء المتغيرات والمستجدات الحالية؟ أليست شبكات التواصل الاجتماعي والفيسبوك خاصة محاليل للكشف عن هذه الخصائص؟؛ وهو الأمر الذي يدعو إلى التفكير في التعالقات والتمفصلات الممكنة بين الواقعي والافتراضي. فما الحدود الفاصلة بين الواقعية والحياة الافتراضية؟ هل تقوم العلاقة بينهما على الاتصال أم الانفصال؟ وهل يعتبر الافتراضي امتدادا للواقعي أم هروبا منه؟
بالقدر الذي نعيش في عالم الواقع والحياة في مختلف مستوياتها وأبعادها نعيش في العالم الافتراضي الرقمي المتمثل في شبكات التواصل الاجتماعي بعامة والفيسبوك بخاصة. عالم غير محسوس يسمح بلعب العديد من الأدوار بالنسبة للفاعلين المتصلين التي لا تمت بصلة للواقع تارة أو تعكسه بكل تناقضاته وصراعاته وأبعاده المتشابكة تارة أخرى. وأصبح الإنسان يعيش حياة شبكية افتراضية في الواقع أو يعيش وفق بيئة تكنولوجية افتراضية ضمن البيئة الفيزيائية؛ وهو وضع من الصعب إدراك من خلاله الحدود الفاصلة بين الكائنات البشرية والكائنات الذكية. والشبكات الاجتماعية نموذج لهذه البيئة الموازية.
يشمل الفيسبوك جملة من المميزات والخصائص التي تجعل عملية الاتصال والتواصل أكثر انسيابية، تتميز بالدقة والفعالية، ذلك تبعا لسرعة الربط بالإنترنت وطبيعة الآلة الحاملة لهذا التطبيق كالكمبيوتر أو الهاتف الذكي أو اللوحة الرقمية أو غيرها. ويسمح الفيسبوك بنشر وتقاسم موضوعات ومواد ومضامين مختلفة ومتنوعة كالصور والأصوات والنصوص والفيديوهات (المسلسلات والأفلام الوثائقية والسينمائية الدرامية) وغيرها. لذلك، تجد كل الفئات المتفاعلة ذاتها في العالم الأزرق وفقا لاهتماماتها وانشغالاتها وحسب الجنس والسن والمهنة والانتماء الطبقي والجغرافي والمستوى التعليمي ودرجة الوعي وطبيعة المرجعية الثقافية والإيديولوجية.
في تقديري الخاص، إن ما يتقاسمه المتصل بالفيسبوك على جداره أو صفحات موضوعاتية، فردية أو جماعية، تعبير عن اتجاه وميول وموقف وسلوك خاص به، ويتم الإفصاح عنه وممارسته بكل حرية فيما يشبه ساحة عمومية افتراضية أو أغورا يونانية افتراضية تتيح إمكانية التعبير الحر والديمقراطي وإبداء الرأي والرأي الآخر وحرية النقاش والتفاعل في مختلف القضايا والمجالات العامة والخاصة، ولا يتعلق الأمر هنا بمخاطبة فئة محددة أو شريحة بعينها؛ وهو ما يعكس جزئيا أو كليا، صورة ما (مع الأخذ في الاعتبار الانتحال والتزوير والتدليس والغش [...]) عن وعي المتفاعل وسنه وجنسه وانتمائه الطبقي ومستواه الاقتصادي والاجتماعي والثقافي.
لكن المثير للانتباه هو تلك العدوى التي تنتقل من الواقع إلى الافتراضي، ومن الافتراضي إلى الواقع، وكأن الأمر يتعلق بدورة حياة كاملة تستكمل الواقعي بالافتراضي، والافتراضي بالواقعي بما يمكن تسميته بالتفاعل الجدلي (واقعي/افتراضي) من جهة والتفاعل الشبكي (افتراضي/افتراضي) من جهة أخرى. عدوى انتشار المحتويات كالنار في الهشيم، بغض النظر عن تصنيفها منهجيا ومعرفيا وأخلاقيا، هنا بالضبط يتطلب الأمر وقفة تأمل، والتساؤل حول طبيعة المحتويات ومآلاتها ومفاعيلها على المتلقي – المتصفح المفترض (وفئات المتعلمين الأطفال اليافعين والمراهقين على وجه الخصوص نظرا إلى طبيعة المرحلة العمرية وما يميز الطفل من تحولات جسدية وانفعالية وعقلية واجتماعية) وما يمكن أن يرتد عنها من انفعالات وميولات ومدى التماهي مع النماذج سلبا وإيجابا جزئيا أو كليا. فالفيسبوك، بهذا المعنى، شبكة معقدة جدا وُجِدت للتواصل والتفاعل حول مختلف القضايا الاجتماعية ومراتبها، لكنه في الآن نفسه يتحول إلى أداء أدوار أخرى تتمثل في اللاتواصل والتفريغ النفسي والتشهير والفضح والكشف والأرشفة وغيرها.
لكن في السياق المغربي كشف الفيسبوك عن تناقضاتنا وعقدنا وفضائحنا وفسادنا وبلاهتنا، استنفد كل لحظات المعقول والمفكر فيه والجد، وكل ما يرتبط بجوانب الحياة الواقعية في أبعادها المختلفة اقتصاديا وسياسيا وثقافيا واجتماعيا، لينتقل بنا إلى لحظات ما سماه عزيز لزرق بتحرر «بادئ الرأي» والأحكام المسبقة والمعرفة العامية. وكأن الفيسبوك تحول إلى فضاء للفوضى المعممة في مجتمع لم ينخرط بعد في مجتمعات المعرفة والتكنولوجيا، بالرغم من كل الامكانيات التي يتيحها الفيسبوك كالتعليم والتعلم والتربية والاحتجاج والتواصل وسلطة خطاب الاقتراح والضغط سياسيا وتسهيل تمرير المعلومة وتوفيرها وتداولها على أوسع نطاق ممكن؛ وهو يجسد بذلك نموذجا للتعاون بين الآلة وبرامجها والبشر.
وباختصار، أعتقد أن الفيسبوك فرصة للوصول إلى المعلومة وأداة للمراقبة الافتراضية للذات، وكذا مناسبة للتعلم والتعليم والنقاش والنقد والانفتاح على العوالم الممكنة لا مجال للمعاملة اللاإنسانية المرتبطة بالتجريح والتمييز والتحرش والعنف المختلف أنواعه وأشكاله ووسائله وآلياته. يكفي عنف الواقع السياسي والاقتصادي والإيديولوجي وباقي الأصناف الأخرى. ومن هذا المنظور، تبقى معرفة حقيقة الفيسبوك وماهيته إلى جانب التكنولوجيا الرقمية الحديثة رهانا بالنسبة إلى الإنسان، يواجه العديد من الإشكالات الخاصة بالقيم والأخلاق والمعرفة والوجود.

كاتب مغربي

بإمكانكم إيضاً مطالعة خبر (الواقعي والافتراضي… أي حدود؟) من موقع (القدس العربي)

السابق الهوية والزمن والتَّجارُب - صحف نت
التالى روسيا اليوم / كشف سبب معاناة الإناث من الربو أكثر من الذكور - صحف نت