أخبار عاجلة
عكاظ / جازان: حملة لرفع مخلفات البناء - صحف.نت -

طه عبد الرحمن وهيمنة الفكر الغربي: من تنازع القيم إلى صدام الحضارات - صحف نت

طه عبد الرحمن وهيمنة الفكر الغربي: من تنازع القيم إلى صدام الحضارات - صحف نت
طه عبد الرحمن وهيمنة الفكر الغربي: من تنازع القيم إلى صدام الحضارات - صحف نت

الأربعاء 1 نوفمبر 2017 01:08 صباحاً

- حاول المفكر المغربي طه عبد الرحمن من خلال دراساته الكثيرة وأبحاثه المعمّقة أن يبني وشائج التواصل بين الدين والعقل، إذ تصدى لمحاولات الفصل بينهما، لأن التفكير العقلي «أخرج الإنسان من عالم مسحور، تسود فيه آلهة كثيرة تخفي مقاصدها عنه، وتتدخل في حياته ومصيره، إلى عالم بصير لا سحر فيه» وهذا راجع في الأساس إلى إهمال الحضارة الغربية للبعد الروحي، واهتمامها المفرط بالعقل، ما أدى إلى تغيّر نظرة الإنسان إلى الوجود، فأبعد الإله، وأخضع الطبيعة، وشيّأ الإنسان.
النظرة الشيئية هذه كانت سبباً في إعادة تصنيف البشرية على أساس اللون، العرق، الدين واللغة، أي ولادة الفكرة الاستعمارية، التي تعمل على فرض السيطرة على الآخر، ونهب ثرواته وممتلكاته، ولن يحدث ذلك إلا بعد إفراغ الآخر من قيمه وثقافته. من هنا نشأت فكرة «عبء الرجل الأبيض» الذي تحمّل مسؤولية تطوير الأجناس الأخرى، وتحضيرها وتمدينها، بفرض نمط الفكر الغربي، وتعميم قيمه في كل المعمورة، سواء أكان ذلك بطريقة ناعمة أم بطريقة عنيفة. على هذا الأساس، فإن أطروحة صدام الحضارات ما هي إلا فكرة تستوعبها الأفكار الحداثية الغربية الكبرى، التي تناصب العداء لكل ما هو من الدين والأخلاق، من خلال الانتصار لأيديولوجيات رافضة للآخر، ورافضة لفكرة التنوع ولمبدأ التعايش.
مثل هذه الأفكار هي التي أسّست لعالم الصدام، وجعلت التعايش مستحيلا بين المختلف البشري، إذ يسعى القوي إلى فرض قيمه وثقافته على الآخر الضعيف، متوسلا في ذلك كل الوسائل المشروعة وغير المشروعة، لأنّه ببساطة، يؤمن بأن الغاية تبرّر كل وسيلة، وعليه فإن القول بأن هناك صداماً بين ثقافتين أو حضارتين فيه نوع من المبالغة والمغالطة، لأنّ الصدام في حقيقة الأمر ينتجه القوي، والقوي هنا هو الغرب بلا منازع، فثقافته منتشرة في العالم، وسلعه تغزوه، وجيوشه تراقبه، وتوجّسه أن يفقد كل ذلك قائم.

صدام الحضارات: مفهوم توصيفي توجيهي

يرى طه عبد الرحمن أن مفهوم صدام الحضارات الذي طرحه صموئيل هنتنغتون في العقد الأخير من القرن الماضي، «مفهوم مزدوج: توصيفي وتوجيهي في آن» فرضه ظرف استراتيجي، يطرح الغرب من خلاله كيفية التعامل مع المجموعات الثقافية الأخرى، والخطط الكفيلة في تحقيق ذلك، وهذا التعامل، على حد تعبير طه مزدوج أيضاً، تعايشي تصارعي في آن، فهنتنغتون كما يبحث طريق الحرب والتنازع، يرسم مسلكاً للتعايش والتهادن، ولكن بشرط أن تكون الغاية منه حفظ الهيمنة الغربية، في هذا الصدد يقرر طه عبد الرحمن بأن هنتنغتون «لا يكتفي بأن يبحث مختلف مظاهر وأسباب التنازع بين الحضارة الغربية وغيرها من الحضارات، وأن يعالج احتمالات دخولها في حروب بعضها مع بعض، بل أيضاً يوضح مسلكين متعارضين للتواجد، أو على الأقل للتهادن بينهما، هما: «مسلك حفظ الهيمنة الغربية» و»مسلك حفظ التعددية الثقافية»، وإن كانت تترجح عنده فائدة المسلك الثاني».
وحتّى يزيل اللبس في مفهوم الصدام يتوقف مفكرنا عنده، لفك تنازعه مع مفهوم الصراع والنزاع، إذ يرى أنّه «إذا كان النزاع يغلب عليه الطابع السياسي، والصراع يطغى عليه الطابع الاقتصادي، فإن الصدام يختص باعتماد العنصر الثقافي، وتقديمه على العنصرين الآخرين: السياسة والاقتصاد» لذلك اعتمد هنتنغتون هذا المفهوم، لأن محور بحثه هو العنصر الثقافي وتأثيره في التكتلات والنزاعات المستقبلية.

صدام الحضارات: منتوج غربي

يؤكّد طه عبد الرحمن في البداية حقيقة مهمة مفادها أن الثقافة الغربية هي التي «بثت فكرة «الصِّدام» في الأذهان، وأنشأت لها الأسباب في الأعيان».
بعد تأكيده هذه الحقيقة المهمّة، يحاول بعقلانيته المعهودة هدم أطروحة الصدام، مبيناً في الوقت نفسه المغالطات التي بنيت عليها، والأسباب التي دعت إلى بثها في الواقع العالمي من خلال النقاط التالية:
- إن مفهوم صدام الحضارات أو صدام الثقافات لم ينتجه واقع علاقات الأمم بعضها مع بعض، وإنما أنتجته ثقافة واحدة بعينها، هي الثقافة الغربية «الأوروبية ـ الأمريكية» التي أضحت ثقافة الواقع الكوني، والسبب الذي جعل الغرب يؤسّس لمنطق الصدام بين الحضارات يرجع في الأساس إلى صدام القيم الذي يعيشه الغرب في كيانه، فأراد من خلال هذا التأسيس أن يخفي أزمته بتعميم صدام القيم على المجموع الكوني، أي «أنه إذا وُجد صدام القيم في الأمة الواحدة، مع اتحاد مستواها الحضاري والثقافي، فبأن يوجد بين الأمم المختلفة مستوياتها الحضارية والثقافية أولى».
- إن حقيقة هذا الصدام ليست تصادماً يحصل بين طرفين كل واحد منها يصدم الآخر، وإنما هو صدم يقع في اتجاه واحد، لأن الصادم بطبيعة الحال هنا هو الثقافة الغربية، والمصدوم هو باقي الثقافات، وباستعمال الغرب لمصطلح صدام الحضارات أو الثقافات يدخل في إطار التلاعب بالألفاظ والعبث بالمفاهيم حتى يبلغ مراده بدون اعتراض أو رفض، وحتى يتمكن مشروعه في السيطرة والهيمنة.
- إن الأمة التي تستحق، في نظر سادة العالم، أن تؤخذ قبل غيرها بالصدم والعنف هي الأمة المسلمة، لأنهم رأوا بأن القيم الإسلامية تخالف قيمهم الكونية، وتقاوم إرادتهم في تعميمها على باقي الأمم، من هنا قرروا تدمير هذه القيم بكل الوسائل، وبمختلف الطرق، حتى تتمكن قيمهم في الواقع الكوني.
من خلال هذه النقاط الثلاث، يتضح لنا بأن صدام الحضارات ما هو إلا منتوج غربي بامتياز، وهو في الأساس تعبير عن أزمة يعيشها الغرب، نتاج عدم مقدرته على احتواء الآخر، فهو لا يعترف به إلا كتابع وخادم وخاضع له، ولا يعترف بقيمه حتى لو كانت مشتركة بين المختلف البشري، مما يؤدي في الأخير إلى تصادم قيمه، أي الغرب، مع قيم الآخر، لأن الغرب ينظر إلى قيمه على أنها كونية لها أفضلية على غيرها من القيم.

تعددية القيم المتصادمة:

في هذا الصدد يستعرض طه عبد الرحمن كيفية تعامل الغرب مع تعددية القيم المتصادمة حتّى تتماشى مع جوهر استراتيجيته، ولكي يزيل التعارض الموجود فيها.
- قامت «عقلنة العالم» التي اقترنت بتعددية القيم على مبدأ التعارض بين العقلي والديني، وأفضى هذا التعارض إلى التسيّب العقلي.
- قامت «الليبرالية» على مبدأ التعارض بين السياسة والأخلاق، وأدى هذا التعارض إلى التسلّط السياسي.
- كما أن «صدام الحضارات» الذي اقترن بالتعددية القيمية قام على مبدأ التطابق بين الثقافة والأخلاق، وأدّى هذا التطابق إلى التطرّف الثقافي.
اختلفت الاتجاهات وتعددت الطرائق إذن، والكل حاول أن يزيل التعارض في التعددية القيمية المتصادمة وفق رؤيته الخاصة، وقناعته العلمية، فأصحاب الاتجاه التقريري تعاملوا مع التصادم بين العقل والدين بصرفهما معاً، أما أصحاب طريقة التدليل فاحتفظوا بالعقل وصرفوا الدين، بينما قدّم أصحاب الاتجاه التفريقي السياسة على الأخلاق، في حين حاول أصحاب طريق التجميع البحث عن المشترك الإنساني ومزاوجته مع المختص الاجتماعي، إلا أن هذه الاتجاهات لم تفلح في تلافي الصدام القيمي، كما يبدو أن سعيها لم يكن هدفه بناء قاعدة قيمية مشتركة بين البشرية من أجل تفادي النزاعات، والتقليل من الحروب، بل كان هدفها فرض رؤى جديدة، لكي تتوافق مع الاستراتيجية الكبرى للغرب، ما أدّى في الأخير إلى الصدام المؤكّد.
لذلك يطرح مفكرنا تصوّراً جديداً لتعدد قيمي لا تصادم فيه، إذ دعا إلى طلب تعددية قيمية جديدة تقوم على «مبدأ تصادف القيم» في مقابل القيم المتصادمة، ولن يكتب لهذا المبدأ النجاح إلا بعد القضاء على الآفات الثلاث التي أدّت إلى التصادم المعاصر، وأدّت إلى إذكاء الحروب والصراعات في العالم، وهي «آفة تسيّب العقل، وآفة تسلّط السياسة، وآفة تطرّف الثقافة» ولا يمكن دفع هذه الآفات إلا بعد إعادة العناصر المفقودة في حياة البشرية، وذلك بأن نثبت في العقل قيمة الإيمان، ونثبت في السياسة الأخلاق، ونثبت في الثقافة قيمة الفطرة، وبالتالي «فإن تعددية القيم المتصادفة، على عكس تعددية القيم المتصادمة المعاصرة، لا تسيّب فيها ولا تسلُّط ولا تطرُّف».
تأسيساً على ما سبق، فإنه لا يمكن تجنب صدام الحضارات إلا بعد تلافي صدام القيم، لأن العلاقة بينهما علاقة جدلية وفق طه عبد الرحمن، ذلك أن صدام القيم مفهوم «نبت في أرض الثقافة الغربية، وقد قامت هذه الثقافة بنقل صفة الصدام من علاقة القيم بعضها ببعض داخلها إلى علاقة الثقافات بعضها ببعض، خارجها»، وعلى هذا الأساس، نشأت فكرة صدام الحضارات.

الطريق الصعب

يبدو أن الطريق الذي رسمه طه عبد الرحمن لتفادي الصدام بين الحضارات صعب التحقق في الواقع العالمي الحالي، لأنه يمسُّ كيان الأفكار الكبرى التي قامت عليها الحضارة الغربية، فهو يعيد النظر إلى تعددية القيم من جديد، عن طريق التصالح مع قواعد أزاحها الغـــــرب من واقعـــــه منذ عقود طويلة من الزمن، كالإيمان والأخلاق والفطرة، وإذا حدث هذا التصالح فهو، بالتأكيد، هدْم للأركان التي تقوم عليها الحضارة الغربــية، ولكنه في المقابل، يشكِّل ترياقاً ضرورياً، إذا أراد العالم أن يتجنب الحروب، ويتلافى الصراعات والنزاعات بين الأمم والحضارات.

٭ كاتب مغربي

بإمكانكم إيضاً مطالعة خبر (طه عبد الرحمن وهيمنة الفكر الغربي: من تنازع القيم إلى صدام الحضارات) من موقع (القدس العربي)

السابق إيطاليا.. وفاة أبرز الزعماء التاريخيين لمافيا صقلية - صحف نت
التالى سلفاكير يتوجه إلى الخرطوم في زيارة تستمر يومين - صحف نت