أخبار عاجلة
أكثر من مئتي مَعلم داخل المسجد الأقصى - صحف نت -

الجزيرة / اليمين يزحف نحو الإليزيه بغياب بوصلة اليسار - صحف نت

الخميس 8 ديسمبر 2016 12:22 مساءً

نور الدين بوزيان-باريس

يزحف اليمين الوسطي والراديكالي في فرنسا بخطى حثيثة ووثبات مدروسة ومنتظمة نحو هرم السلطة في قصر الإليزيه، في وقت لا يزال شعب اليسار، كما يسمى أنصار الأحزاب اليسارية، تائها دون بوصلة بسبب الانقسامات الحادة داخل أكبر أحزاب اليسار وهو الحزب الاشتراكي.

هذا الحزب الذي يبدو يتيما منذ قرر رمزه الرئيس الحالي فرانسوا هولاند "رمي المنشفة" وعدم الترشح لولاية جديدة.

والعارفون بخبايا أروقة الإليزيه يلمحون دون التصريح إلى أن هولاند أقصى نفسه مكرها لا بطلا، بعد أن أيقن أن رئيس وزرائه الطموح مانويل فالس بات مستعدا للدخول معه في رهان قوي ومعركة كسر عظم حتى ولو تطلب الأمر إحداث شرخ داخل الحزب الاشتراكي.

فالرئيس، الذي يخشى أن يُؤرخ له بأنه أفشل رئيس في تاريخ فرنسا، رفض إذن -وفق تلك المصادر- أن يضيف إلى إرثه السياسي أنه كان سببا في تفجير الحزب الاشتراكي بمعاندة رجل لا يعرف طموحه حدودا.

و"باستقالته" من سباق الرئاسة، عبّد إذن الرئيس هولاند الطريق لمانويل فالس الذي بدأ يقدم نفسه على أنه المرشح الطبيعي، بل الشرعي للاشتراكيين.

المشكلة أن قيادات من الوزن الثقيل، وبينها ابنة جاك دولور، وأحد أبرز وجوه اليسار الفرنسي مارتين وأوبري ومعهما آخرون، سارعوا إلى توجيه سهام نقدهم لفالس، ورفضوا تزكيته مرشحا طبيعيا للحزب الاشتراكي. هؤلاء يأخذون عليه، بالتلميح دون التصريح، أنه طعن بخنجر في الظهر الرئيس هولاند.

كما أنهم يحملونه وزر انشطار اليسار من الداخل بمواقفه وسياساته، في إشارة إلى توجهاته الليبرالية التي ضربت في العمق المكاسب الاجتماعية للفرنسيين مثل تمريره بالقوة في البرلمان قانون العمل المثير للجدل.

برونو روجي: اليسار نفسه لم يعد يؤمن بفوزه في الانتخابات الرئاسية (الجزيرة نت)

استفزاز الحلفاء
بعض ألوان الطيف اليساري في فرنسا مثل الخضر والحزب الشيوعي، يرفضون التحالف مع الحزب الاشتراكي بسبب فالس الذي استفز حلفاءه بمواقف ضد اللاجئين وضد مسلمي فرنسا.

وبطبيعة الحال، فقد أدرك فالس أنه أخطأ في حق المسلمين عندما اتهمهم، كما فعل اليمين المعتدل والراديكالي، بأنهم يطرحون مشكلة لعلمانية فرنسا، فراح في خطاب الترشح يغازل مسلمي فرنسا بتأكيده رفضه استهجانهم وتعرضهم للعنصرية.

فالس قال ذلك ربما لأنه شعر لأول مرة بأن مسلمي فرنسا قرروا الانتقام من الحزب الاشتراكي بمعاقبته في صناديق الاقتراع، وهم الذين لم يعد يستهان بثقلهم الانتخابي حيث إنهم يزنون أكثر من مليوني ورقة انتخابية.

وفي حديث للجزيرة نت، يقول رئيس جمعية "نقرر معا" وأستاذ العلاقات السياسية لوك بيكو إن مانويل فالس تبنى مواقف ليبرالية.

والليبرالية الاجتماعية أصبح لها عرابون آخرون من اليسار. ولأن فالس أصلا لم يحصل إلا على 5% خلال الانتخابات التمهيدية الأخيرة، ولأنه تبنى أثناء رئاسته للحكومة مواقف قاصمة لتحالف اليسار، فإنه سيواجه أكبر تحدٍ. فهل هو سيدافع عن حصيلة رئاسته مع الرئيس المنبوذ شعبيا هولاند أم سيتبرأ منها؟ وفي كلتا الحالتين هو في نظر خصومه جزء كبير من المشكلة وليس جزءا من الحل.

ما يذهب إليه أصحاب هذا الرأي في الحقيقة يختزل مشكلة اليسار وحظوظه التي تعتبر شبه معدومة. حيث تتوقع استطلاعات الرأي هزيمة مدوية له في الانتخابات الرئاسية العام القادم.

في مقابلة مع الجزيرة نت يقول كاتب الافتتاحيات في موقع شلانج السياسي برونو روجي بوتي إن اليسار نفسه لم يعد يؤمن بفوزه في الانتخابات الرئاسية. ويتساءل المتحدث هل لا يزال لليسار مستقبل سياسي في ظل إخفاقاته وفي ظل تغير مزاج الشارع الفرنسي الذي أصبح لا يخفي ميوله للطروحات اليمينية؟

ويرى المتحدث نفسه أن اليسار لم يعد مرغوبا فيه أيضا فرنسيا لعدة أسباب منها حرب الزعامات التي يشهدها اليسار اليوم من خلال وصول عدد المرشحين إلى أكثر من اثني عشر مرشحا.

العامل الآخر هو إدارة اليسار خلال حكم الاشتراكيين ظهره لقيم اليسار، ومنها حماية المكتسبات الاجتماعية والعدالة الاجتماعية.

هزيمة مبرمجة
إن الهزيمة المبرمجة لليسار في الانتخابات الرئاسية القادمة، كما يرى بنوا همون أحد المرشحين المحتملين من الحزب الاشتراكي للانتخابات التمهيدية، هي في حكم المؤكد لأن القواعد الشعبية لليسار باتت تائهة ومن دون بوصلة "ليس لأننا لم نعتن بالقدر الكافي بالمشكلات التي راهن علينا الفرنسيون لحلها خلال عهدة الرئيس الاشتراكي هولاند، بل لأننا، وهنا الخطورة، مارسنا سياسة يمينية بامتياز".

وبعيدا عن جلد الذات، يرى مسؤولون سياسيون من داخل اليسار أن حرب الزعامات داخل اليسار هي ما سيقضي على مستقبل اليسار.

ويؤكد هؤلاء أن السؤال لم يعد هل سيعاقب الفرنسيون اليسار في الانتخابات الرئاسية القادمة؟ وإنما هو هل سيكون هناك مستقبل سياسي لليسار خلال قادم الأعوام؟

وكمؤشر ربما على أن تكهنات البعض قد تصيب كبد الحقيقة على الأقل في المدى المنظور، أظهر استطلاع للرأي نشر أمس الأربعاء وأجرته مؤسسة "بي في"، أظهر أن اليسار سيخسر من الدور الأول للانتخابات الرئاسية العام القادم، وأن المعركة على مفاتيح قصر الإليزيه ستكون فقط بين حسناء اليمين المتطرف مارين لوبان التي نجحت في وقف شيطنة اليمين الراديكالي، وبين فرانسوا فيون الرجل القوي لليمين الوسط المصنف بأنه محافظ وذو توجهات ليبرالية مستوحاة من برنامج السيدة الحديدية التي حكمت بريطانيا عقدا من الزمن في الثمانينيات.