أخبار عاجلة

جلسات «الضحويّة» ملتقى جيل الثمانينيات بلا كلافة أو ترف! - صحف نت

السبت 6 مايو 2017 03:08 صباحاً

- تكاد تكون الحارة فيما مضى هي عالم التعرف الأول في حياة كل من ينشأ فيها، فهي طريق مروره بالعالم الخارجي من حوله ففيها ينشأ ويعرف طريق الدخول والخروج من المنزل عبر الباب الذي يقذف به إلى العالم الخارجي من حوله قبل سن دخول المدرسة وقبل أن يتردد مع والده وإخوانه إلى المسجد، ولذلك كانت تحمل الحارة قديماً أجمل ذكريات العمر لكل من عاش فيها حيث بدت فيها خطواته الأولى، ولأن أجمل فترات العمر هي الشباب الذي يعني الحيوية والنشاط والإقبال على بفرح وتمضية الوقت بعيداً عن تعقيدات الحياة إذ تكون هذه المرحلة الشيقة من العمر يعيشها دون الالتزام بأي دور فهو لم يقترن بشريكة حياة أو يقوم بالعمل من أجل أن يصرف على بيت مكون من أسرة هو ربها، لذلك فكل همه هو تمضية أيامه في سعادة ومرح، وقد كان جيل الأمس يقضي جل يومه في الالتقاء بأصدقائه في الحارة التي لم تعرف التغيّر يوماً ففيها البساطة في أسمى معانيها، فاجتماع الشباب كما جرت العادة في (عاير) الحارة في عز الظهيرة بين بيوت الطين الباردة وذلك لتبادل أطراف الحديث وتمضية الوقت حتى موعد الغداء حيث ينفض هذا اللقاء ليتجدد في ساعات الأصيل ومن ثم في عتمة الليل، ومما يميز هذه الاجتماعات في أيام زمان هو معرفة ولي الأمر مع من يمشي ولده والى أين يذهب اذ كان الجميع يتابع أبناءه ولا يغيبون عن أنظارهم، وبعد ظهور السيارات وانتشارها وحصول كل شاب على سيارة خاصة به وتوسع البلدات والمدن وتمددها العمراني بالبناء الحديث تباعدت البيوت والأحياء وظهرت الكثير من الألعاب وفقدت الحارات الجديدة تجمع الشباب، وتغير نمط الحياة عما كان عليه سابقاً وصار التقاء الشباب في المقاهي والاستراحات أو التجمع في الأسواق الكبرى والمولات الكبيرة التي تجمع بين التسوق والترفيه ووجود المقاهي والمطاعم، وفي ظل التطور في اللقاءات صار هناك استراحات مخصصة لاجتماع الشباب فيها طوال الوقت انتشرت في كل المدن والقرى، وبالتالي صار أمر متابعة الشباب من قبل ذويهم فيه الكثير من العناء رغم تطور وسائل التواصل من جوالات وأجهزة تواصل اجتماعي.

البساطة

كانت تجمعات الشباب فيما مضى تلفها البساطة في كل شيء، بدءا من الجلوس الذي في يكون في أي مكان من الحارة فهو لا يستدعي وجود فراش أو كراسي أو طاولات بل ترى الشباب يفترشون الأرض ويتحلقون حول بعضهم البعض يتجاذبون أطراف الحديث ويلعبون بعضاً من الألعاب الشعبية غير آبهين بمن حولهم فجلوسهم غالباً لا يضايق المارة فقد يكون (عاير) أحد البيوت أي زاويتها، ومما يميز هذا الجلوس العفوي هو بقاؤهم في محيط بيوت الحارة، فعندما يقوم أحد الصغار بالبحث عن أخيه لتلبية حاجة أمه أو أبيه فانه يجده على الفور، فيسارع بمناداته وهو جالس مع شباب الحارة رافعاً صوته (دحيم .. أمي تبيك) أي عبدالرحمن أمي تريدك، وقد جرت العادة على تصغير الأسماء قديماً، فيقولون مثلاً لمن كان اسمه عبدالله (عبيد) ومن كان اسمه عبدالعزيز (عزيز) وهكذا، فيبادر على الفور ملبياً النداء في أسرع وقت وذلك لما كان يجده من هيبة للوالدين وضرب ألف حساب لطاعتهما خوفاً من إيقاع العقاب عليه وحرمانه من الخروج للقاء أصدقائه، وقد كانت هذه الجلسات والاجتماعات تتم دون تقديم طعام أو شراب، فمن أدركه العطش يقوم بالذهاب إلى بيته ويشرب الماء ويعود، بينما يقوم الجميع عند وقت تناول وجبة الغداء أو العشاء إلى منازلهم للأكل ومن ثم العودة إلى الجلوس بعد أخذ قسط من الراحة في البيت، وقد يحضر البعض في جيب ثوبه بعض الأكل المتوفر في ذلك الوقت مثل نوع من التمر يسمى (يبيس) أي التمر الناشف أو بعضاً من (الفصفص) أو حبوب (عباد الشمس) أو (القريض) أي حبوب الحمص فيأكلها أثناء الجلوس وربما أعطى من يجلس معه من ذلك، كما كان الشباب وفي ظل ندرة أدوات الترفيه يستغلون مافي الطبيعة من خامات ويطوعونه من أجل الاستمتاع واللعب وقضاء وقت الفراغ فعلى سبيل المثال إذا أراد أحد أن يبني بيتا ووضع أمام بيته (شحنة) رمل تراكض الشباب إليها وقاموا بالعبث بالرمل وجعلوا منه مجلساً لهم، وفي وقت الأمطار يذهبون إلى الغدران القريبة ويستحمون فيها، وقد يذهب البعض إلى برك المزارع والآبار للسباحة في فصل الصيف وقت الظهيرة للسباحة والاستجمام والاستمتاع ببرودة الماء رغم حرارة الجو، أما في وقت حصاد الزرع وجني محصول التمر فانه يحلوا للشباب تمضية وقت النهار في صيد الطيور عن طريق (النباطة) والتي يصنعونها بأيديهم وهي عبارة عن غصن من شجر الأثل أو الطلح أسفله غصن وأعلاه متفرع إلى غصنين على شكل حرف (Y) بالانجليزي ويسمونه (مشغار) يربط به سير من المطاط يؤخذ من (لستك) دراجة هوائية أو كفر سيارة ويربط كل سير في واحد من أطراف (المشغار) ويثبت في قطعة جلد تسمى (الرقعة) تؤخذ من حذاء من نوع (الزبيرية) وبعد ذلك تكون (النباطة) أو (النبيطة) كما يسميها البعض جاهزة لاصطياد الطيور فيتم وضع حصاة بقدر حبة الحمص في (الرقعة) ومن ثم يتم سحبها إلى الخلف مع التركيز على الهدف ليتم بعدها ترك (الرقعة) فينطلق الحجر فيصيب هدفه من الطيور ويتم اصطيادها، كما يمارس بعض الشباب صيد الجراد عند وصوله إلى المزارع في القرى والبراري، والحقيقة بأن الشباب كانوا يستمتعون بوقتهم مستغلين كل حدث أو فصل من فصول السنة على الدوام.

المسامرات

كان الزمن الذي يحتاجه الشباب للاجتماع فيما مضى تحكمه فصول السنة ففي الشتاء مثلاً يكون الاجتماع قصيراً حيث يكون من الظهيرة إلى ما بعد صلاة العشاء بقليل حيث تمنع برودة الجو الشباب من الجلوس في زمهرير الشتاء مما يجعلهم يعودون إلى منازلهم في وقت مبكر من الليل، وأما الصيف والوقت الذي يسبقه ويسمى بالاعتدال حيث تبدأ درجات الحرارة في الارتفاع تدريجاً كل يوم فيعد أفضل أوقات السنة للاجتماع حيث يكون تهب النسائم الباردة منذ طلوع الفجر وانشقاق الصبح، وعند اشتداد حر الظهيرة فان (الصوابيط) وهي الأزقة المسقوفة بين بيوت الطين تحتفظ بالبرودة فتجد الشباب يجتمعون عند أحد البيوت للعب والحديث ويوافق ذلك خلود من في البيت من الكبار للقيلولة، أما في المساء فتبدأ الحرارة تنحسر ويتلطف الجو، وكان الصغار يتراكضون إلى سطوح المنازل لنشر الفرش للوالدين وللأخوة والأخوات، فيكون فراش الوالدين في جهة من السطح وفي جهة أخرى فرش نوم الصبيان وفي جهة أخرى قريبة أيضاً فرش البنات ويدعوها تبرد حتى إذا جاء وقت النوم وجدوها باردة جداً، وقبيل المغرب يغادر الشباب السطح بعد أن يفرشوا الفرش لأهل البيت، ويجتمعون مع أقرانهم في أحد زوايا الحارة بينما يحرص الآباء والأمهات على أن يلتزم الأطفال والشباب بالهدوء في هذا الوقت وهو بداية حلول الليل وينهونهم عن اللعب في هذا الوقت والذي يسمونه بـ (صفرة العشا)، وبعد صلاة المغرب يحرص الجميع على الاجتماع في المنزل حيث تبدأ بين الجيران الزيارات الجماعية حيث تقوم الأم وأبنائها وبناتها بالمسيار على الجيران لتناول الشاي وما يقدم معه من وجبة خفيفة قد تكون من المكسرات أو البطيخ أو ما يتيسر، وهي عادة يومية حيث كان الجيران عند رؤية بعضهم يقولون لدعوة بعضهم البعض (تعتموا) عندنا أي قوموا بزيارتنا بعد المغرب الذي يسمونه بوقت ( العتيم ) وهو مأخوذ من العتمة وهي اشتداد سواد الليل.

المواقف

حملت تجمعات الشباب في السابق العديد من الذكريات فقد تمر بهم العديد من المواقف الطريفة، ومنها المصادمة مع من يمر حولهم من المارة إذ كثيراً ما تحدث عدد من المشاجرات ينجم عنها إصابات بين الجلوس مما يجعل الأمور تتصعد إلى تدخل الكبار لفض تلك المنازعات، وقد يستغل الشباب جلستهم وخصوصاً في وقت الظهيرة والقيلولة في التجول في المزارع القريبة والسباحة في البرك ومحاولة تشغيل (ماكينة البلاكستون) التي تقوم بإخراج المياه من البئر وما يصاحب ذلك من عبث بالمزروعات وأكل شيء منها في ظل غياب أهلها وذهابهم إلى منازلهم لتناول الغداء وتناول قسطاً من الراحة في وقت القيلولة، حيث يفاجأ المزارع بعد عودته عصراً بوجود هذا العبث مما يجعله يتحقق من الأمر ويسعى للوصول إلى من قام بهذا العمل، وكم تكون العاقبة وخيمة إذا ما تم التعرف على هؤلاء الشباب المخربين حيث يقوم بشكايتهم على ذويهم فيتم تأديبهم ودفع قيمة ما تم إتلافه من محاصيل ومن المواقف الطريفة هو ما قام به مجموعة من الشباب من سرقة (حبات) من البطيخ من سيارة أحد الجيران في الحي والذي يقوم بشرائها بالجملة ومن ثم بيعها في السوق حيث قام بإيقاف سيارته وهي مملوءة بالبطيخ بعد تغطيته في عز الظهيرة من أجل الدخول به إلى السوق في العصر، فأخذ هؤلاء الشباب هذا البطيخ وحملوه إلى مكان منزو وقاموا بأكله، وبعد أن انتهوا من أكلها وبعد صلاة العصر مروا بالسيارة التي سرقوا منها بعض البطيخ وأكلوه ووجدوا صاحبها الكبير في السن يحاول تبديل أحد كفراتها التي حصل لها (بنشر) فأرادوا أن يكفروا عن فعلتهم بمساعدة صاحبها في إصلاح الكفر وتوقفوا عنده وبعد إلقاء السلام عرضوا عليه المساعدة وشمروا عن سواعدهم وأبعدوه وانهمكوا في إصلاح الكفر فما كان منه إلا أن شكرهم ودخل إلى بيته ثم خرج ومعه سكين وصحن فقام باختيار أكبر بطيخة من صندوق سيارته وقام بتقطيعها في الصحن الكبير وبعد أن انتهوا قدم لهم شاكراً هذا الصحن كهدية لهم ومكافأة على صنيعهم فأقبلوا يأكلون وهم يتناظرون ويحاولون كتمان ضحكهم فهم شباعاً من البطيخ الذي سرقوه منه منذ ساعة ولكنهم يأكلون كمجاملة، وبعد أن تفرقوا ضحكوا من هذا الموقف الطريق الذي ظل في ذاكرتهم عشرات السنين.

الدوران

غير ظهور السيارات وانتشارها بكثرة من اجتماعات الشباب التي كانت بسيطة جداً ولا تتعدى أطراف الحارة والمزارع المحيطة بها، فقد بدأ الشباب يلح على ذويه في اقتناء سيارة، وبعد فترة من الزمن أصبح الكثير من الشباب يمتلك سيارة مما جلهم يعتنون بها ويبالغون في تنظيفها، وتركيب مسجل وتغيير شكلها وإضافة إكسسوارات بسيطة في ذلك الزمن، وبات كل ثلاثة أشخاص مثلاً يركبون سيارة أحدهم ويلفون حول الأحياء والمزارع القريبة ويمضون الوقت في التندر والأحاديث، ومن ثم صار العديد من الشباب يجتمعون في وقت العصرية كما يحلو لهم تسميته وهو الوقت المتأخر من العصر، ويفرشون بساطهم تحت أحد أشجار السلم أو الأثل والطلح التماساً للظل ويحضرون معهم الشاي و (الفصفص) ومن ثم يجلسون يتحدثون ويتبادلون الطرائف وربما جلسوا أيضاً في ظل سيارتهم كتلك الجلسة لمشاهدة أحد مباريات الحواري في الملاعب التي تهيأ بجهود اللاعبين ذاتياً في أطراف الأحياء، لكن الغالب أن يقضي الشباب أوقاتهم في الدوران في الشوارع وربما اجتمع أكثر من سيارة في أحد الشوارع فينزلون للحديث ويستعرضون سياراتهم بمشاهدة ما يضيفونه من إكسسوارات داخلية وخارجية ويتباهون في ذلك.

تجمعات اليوم

يحتار شباب اليوم وخصوصاً الصغار منهم وتحديداً في المرحلة الثانوية في أي مكان يجتمعون وخصوصاً في المدن فيكون لقاؤهم في المجمعات التجارية و(المولات) الكبرى التي تحتوي بالإضافة إلى أماكن التسوق أماكن للترفيه ومقاه ومطاعم فيجدون ما يقضون وقت فراغهم فيه، أما بالنسبة إلى الشباب الذين يكبرونهم سناً فإنهم يقضون أوقات فراغهم في الاستراحات التي يقومون باستئجارها لمدة سنة بحيث يدفعون إيجارها بينهم بالتساوي ويقومون بتأثيثها وتتكون كل استراحة من مجلس مزود بجهاز تلفاز ومطبخ وغرف للجلوس والاسترخاء والنوم، والهدف منها الاجتماع في أوقات الفراغ حيث يكون مع كل واحد من هؤلاء الشباب المستأجرين مفتاح ويحضر في وقت فراغه ويجد فيها الأصدقاء ويقضي فيها الساعات وفي أي وقت يشاء من ليل أو نهار، وبذلك طويت صفحة من صفحات ماضينا الجميل حيث بات اجتماع شباب الحارة في أحد جنباتها شيئاً من الماضي وأصبحت لا ترى في حارات اليوم من الشباب من يمشي على قدميه أو أطفال يمارسون اللعب الجماعي وتغير مكان الاجتماع إلى الساحات البلدية أو الأسواق والمقاهي والاستراحات.

image 0

حواري زمان شهدت أجمل ذكريات العمر بحراكها الاجتماعي

image 0

عيال الحارة قديماً أكثر ترابطاً قبل ظهور السيارات والتقنية الحديثة

image 0

التقارب بين البيوت قديماً خلق ترابطاً قوياً بين سكانها

image 0

السباحة في (البرك) والآبار من الأشياء المفضلة لدى شباب الأمس

image 0

الأسواق التجارية والمقاهي والاستراحات أماكن تجمع شباب اليوم

image 0

جلسات المقاهي أصبحت المكان المفضل لأصدقاء الحي

image 0

ظهور السيارة قديماً غير نمط الحياة في الحواري

image 0

حمود الضويحي

"بإمكانكم إيضاً مطالعة خبر (جلسات «الضحويّة» ملتقى جيل الثمانينيات بلا كلافة أو ترف! - صحف نت) من موقع (جريدة الرياض)"

السابق رسائل "ماجستير" و"دكتوراه" يكسوها الغبار..! - صحف نت
التالى أربعة ملايين عانس.. من المسؤول؟ - صحف نت