أخبار عاجلة
خبير روسي يعلق على وفاة زهر الدين - صحف.نت -
تفجير مقديشو.. دلالات المكان والزمان -
الحياة / كركوك توقظ الأكراد من حلم الدولة - صحف.نت -

الجزيرة / "ملِّيها بِالصلاة على النّبي".. نداء المقدسيين - صحف.نت

الجزيرة / "ملِّيها بِالصلاة على النّبي".. نداء المقدسيين - صحف.نت
الجزيرة / "ملِّيها بِالصلاة على النّبي".. نداء المقدسيين - صحف.نت

- السبت 1 يوليو 2017 05:18 مساءً

ذهبت للمدينة التي أعشق، والتي قاتلت من أجلها سنوات -وما زلت- وأمضيت سنوات من عمري في سجون من يحتلها مع مئات آلاف الفلسطينيين، وتعدَّينا الحواجز وجميع الإجراءات الأمنية من تفتيش وتأكد من العمر مرورا "بالمعَّاطات" المنصوبة في كل مكان (وهي حواجز حديدية يدخلها الإنسان وحده ليقف على بوابة إلكترونية، للتأكد من عدم حمله أي معدن).

كنت أهرب من عيون الجنود "الإسرائيليين" الذين يُحَدِّقون في عيون المارة، وأتظاهر بانشغالي بالحديث عبر الهاتف حتى يشعر أني غير مبالٍ أو مهتم ولست صاحب "سوابق" أمنية، وما إن أصل للجهة الأخرى حتى أحمد الله، وتبدأ روحي بالتحليق واستشعار جمال المكان ورائحة الأنبياء والشهداء، وأُمَتِّع نظري بكل زاوية في المكان الذي لا يفسد جماله ويقبض القلب إلا صور العلم "الإسرائيلي" المرفوع ظلما وقهرا على مباني المدينة، قديمها الرازح منذ عقود تحت الاحتلال، ومبانيها المقامة عنوة على أرض القدس.

"
صور "اليهود المُتَدَيِّنين" بالبدلة العسكرية والطاقية الصغيرة وأطفالهم من حولهم تشعرني بمدى القهر والضعف والظلم الذي وصلنا له على أرضنا وقدسنا
"

شعور بالقهر
كانت صور "اليهود المُتَدَيِّنين" بالبدلة العسكرية والطاقية الصغيرة وأطفالهم من حولهم تشعرني بمدى القهر والضعف والظلم الذي وصلنا له على أرضنا وقدسنا، فأطفالي المحرومون من زيارة المدينة وأرضي المسلوبة قهر يضاف لقهر
.

كنت أغمض عيني وأنتظر تلك اللحظة التي سأقترب منها من المسجد الأقصى وأدخل من باب العامود لكي يعانق شوقي وحبي لها جدرانها التي تبكي حزنا وظلما، وما إن أصل هناك حتى أقف على أدراج هذا المكان قبالة بوابة باب العامود وأتذكر صور عشرات الشباب الفلسطينيين الذين استشهدوا خلال هبَّة القدس الأخيرة منذ شهر أكتوبر/تشرين الأول 2015، حين حمل الشباب الصغار والبنات سكاكينهم لينتقموا للمدينة التي يُقْتَحَمُ مسجدُها الأقصى.

تذكرت صور الفتيات الصغيرات مضرجات بدمائهن في باب العامود، وكنت أخجل من نفسي كيف تدوس قدماي على دم الشهداء وتميل روحي لتقبيل أرضها. وقفت حالي كحال كل من مر من هذا المكان لالتقاط صورة تبرد قليلا من شوقي كلما نظرت لها حين أحرم من دخولها.

وتمضي رحلتي للمدينة ولبوابة الأقصى، أمعن النظر في أسواقها وعيون تجارها ونداء أطفالها المروجين لبضائعهم فرحين بالقادمين إليها من كل مكان لتحسين أوضاعها الاقتصادية الصعبة جراء إجراءات الاحتلال الصعبة، ويمر من حولي المستوطنون بحراسة الجنود الإسرائيليين إلى أن تصل إلى إحدى بوابات المسجد الأقصى، وما إن تدخل المكان حتى تبدأ بحمد الله بعد هذه الرحلة الطويلة الشاقة وتسجد على عتبات المكان سجدة الشكر، وتنظر لِقُبَّتِها الذهبية وقد زينت المكان، وتسير باتجاه مسجدها الأقصى لتجد مكانا ما في أحد الصفوف، وقد وفقني الله "لحجز" مكان متقدم في الصف الأول بجوار المقدسيين، ومع الوقت تبدأ ما بين العبادات مرحلة التعرف على الجيران، فكان من بالجوار مقدسيون وأشخاص من الداخل المحتل وتحديدا مدينة كفر قاسم.

الإفطار بالقدس
يمر الوقت جميلا سريعا في هذا المكان، وتبدأ تستشعر روحانيات جميلة، وقُبَيْلَ موعد الإفطار مال "جاري" المقدسي وقال لي فطورك معنا الليلة، لم أرفض العرض ولم "أتعزز"، قبلت الدعوة مع شكري وامتناني، فهذا شرف كبير لي. وبعد دقائق يأتيني فلسطيني آخر من الداخل المحتل مُرَحّبا طالبا منّي الانضمام للإفطار معهم هذه الليلة، فرحت كثيرا بهذه الدعوة ولكني شكرته لارتباطي بالإفطار مع المقدسيين، ولكني وبعفوية كبيرة -ومن دون العادة- سألته هل يمكن أن يكون العرض قائما يوم الغد؟ ابتسم في وجهي وربت على كتفي وقال بكل سرور يوم الغد سنفطر سويا.

"
يمر أحدهم من المكان فيقوم صاحب الوليمة بدعوته قائلا: "جاه الله عليك تتفضل"، ويكمل: "خير الله باسط"، فَيُلَبِّي هذا المارّ الدعوة ويجلس معنا دون سابق معرفة، ويبدأ "باسم الله"
"

دقائق وبدأت رحلة توزيع الماء البارد والتمر بأنواعه وعلب اللبن على المصلين، كل يريد أجر إفطار الصائم وإكرام ضيوف الرحمن رواد المسجد الأقصى. الكل يوزع التمر والألسن تلهج بالدعاء لله قبيل وقت الإفطار ولمن يقدم الطعام، ويصدح المؤذن بالأذان معلنا انتهاء وقت الصيام، ونفطر مع الدعاء، وتَبْتَلُّ العروق باللبن البارد، ونصلي المغرب لنخرج ونأخذ زاوية في ساحات المسجد الأقصى، نتناول الإفطار، وهناك في الساحات تبدأ رحلة توزيع الطعام من المؤسسات والجمعيات.

وبدأ وضع الطعام، الكل يشارك والكل يطلب من الكل البدء، هذا يعطي خبز القدس وآخر يوزع اللبن وغيره يسكب العصائر، وآخر يطلب أن نسمي الله في ترابط وتراحم جميل، يمر أحدهم من المكان فيقوم "صاحب الوليمة" بدعوته قائلا: "جاه الله عليك تتفضل"، ويكمل: "خير الله باسط"، فَيُلَبِّي هذا المار الدعوة ويجلس معنا دون سابق معرفة، ويبدأ "باسم الله".

ونتبادل الضحكات ونتناول الإفطار والحديث والكل يريد أن يطعم الكل، وتشعر أنك لم تأكل أطيب من هذا الإفطار مع هؤلاء الأشخاص في هذا المكان، وتبدأ رحلة تنظيف المكان والحرص على إرجاعه كما كان، والاستعداد لصلاة العشاء ومن بعدها التراويح.

فنجان القهوة
شَدَّني هذا النداء الذي حَوَّلته لعنوان مقالي، فذهبت باتجاهه، فكان أحد المقدسيين يوزع "القهوة السادة" على أحد أبواب المسجد الأقصى بصوت عالٍ جميل: "مَلِّيها بالصلاة على النبي"، قاصدا بذلك إذا أردت أن تشرب القهوة فقط عليك أن تسمعني الصلاة والسلام على النبي محمد صَلَّى الله عليه وسلم. الكل حوله لأن قيمة رشفة القهوة لمن يحبها في هذا الوقت وهذا المكان كبيرة وكبيرة جدا، وقفت مع من وقفوا حوله إلى أن ناولني فنجاني طالبا مني إذا كنت أريدها "ملانة" كاملة علي الصلاة على الحبيب محمد، صَلَّيت على الرسول وابتسمت له وكان له ما أراد. ويعلم الله أنه ألذ فنجان قهوة شربته في حياتي.

"
شَدَّني هذا النداء الذي حَوَّلته لعنوان مقالي، فذهبت باتجاهه، فكان أحد المقدسيين يوزع القهوة السادة على أحد أبواب المسجد الأقصى بصوت عالٍ جميل: "مَلِّيها بالصلاة على النبي"، قاصدا بذلك إذا أردت أن تشرب القهوة فقط عليك أن تسمعني الصلاة على النبي
"

ابتعدت عنه ووقفت أراقب المارَّة وتملأ وجهي ابتسامة عريضة، تمتعت بالنظر للرجل والناس وطعم القهوة، ومن دون أن أطلب ترك الناس وتقدم باتجاهي وقال لي: "بدك كمان فنجان"، قلت له: "اللهم صّلِّ وسلِّم على سيدنا محمد"، قدم لي القهوة مرة أخرى قائلا: "اللهم صَلِّ وسلِّم على سيدنا محمد"، ذهبت باتجاه باب السلسلة، فإذا بأشخاص وضعوا طاولة وعليها كعك وتمر وعصائر ويصيحون: "صلِّ على الحبيب قلبك يطيب.. الكعك التمر العصير.. مَيِّل يا صايم"، والناس تأخذ وتأكل وتروي عطشها مجانا، وتصلِّي على الرسول، أجواء جميلة تريح القلب وترسم البسمة وتشعر الإنسان بالراحة.

العطور والخطبة
بالعودة للطقوس مرة أخرى، بعد كل أذان وقبيل الإقامة يمر أحد المصلين حاملا زجاجة عطر يُعَطِّر المصلين الجالسين، فيمد المصلي يده ليضع عليها هذا الشخص العطر شاكرا له هذا، وبعد دقيقة قد يمر آخر ليفعل الأمر ذاته وتمد يدك ليعطرها وهكذا، وقد تعطر في يوم واحد من عشرة أشخاص عشر مرات بأنواع مختلفة، لتشكل رائحتها بمجملها حب الناس للعمل الصالح والتقرب إلى الله وإكرام الناس وضيوف الرحمن مع الابتسامات والدعاء وطلب الأجر.

وقف الخطيب يوم الجمعة على المنبر يهدر ويتحدث عن القدس وحائط البراق وعن المقدسات وعن حقنا في هذا المكان الذي لا يحق لشخص أن يتنازل عنه، مُشْعِرًا كل من يسمع بالعزة والفخر غاسلا بذلك ذُلَّ وزَيْف بعض التصريحات التي صدرت عن أحد المسؤولين الفلسطينيين عن أن هذا المكان مكان مقدس لليهود، فتعالت صيحات التكبير في جنبات المكان، وأكد الشيخ عكرمة صبري على أن الزمان مهما طال فإن الحق سيعود لأصحابه، وإن ضعفنا في هذه الفترة لا يسمح لنا بالتنازل عن المكان، فشعرت بالراحة والفرح والسرور لذكر هذا الأمر في هذا المكان أمام هذه الجموع المتدفقة.

رسائل قصيرة
في أوقات الدعاء، أمسكت هاتفي النقال وبدأت أرسل رسائل لأحبابي، وقد كان النصيب الأكبر لشباب غزة وأصدقائي خارج فلسطين قائلا لهم: "من قلب المسجد الأقصى ندعو لكم"، وبدأت الردود تنهال علي من الجميع شكرا وطلبا لمزيد من الدعوات، وهم يعتصر قلوبهم الألم لعدم قدرتهم على الوصول إلى هذا المكان، داعين الله أن يصلوا فيه محررا.

"
كنت أسترق السمع لشخصين من السودان جلسا بالقرب مني يتحدثان عن المكان وقيمته الدينية والتاريخية، ومدى حبهما له، وعن هذه الفرصة التاريخية التي حظيا بها
"

"الأقصى يشتاق" هي عبارة اعتاد من يصل إلى الأقصى أن يكتبها على ورقة ويضعها قبالة المسجد الأقصى أو قبة الصخرة، ويلتقط صورة معها اسم أحد الأصدقاء المحرومين من الوصول إلى المكان، ويرسلها إليه كناية عن حب الناس والمكان للناس، وهي فكرة جميلة وعبارة جميلة تُلهب المشاعر وتربط الناس بالمكان، وقد قرأت من أحد الأشخاص قوله عن وجود اسمه في هذا المكان: "هذه أجمل هدية وصلتني بحياتي"، فارتباط المكان بالأقصى وحبهم له شيء وجداني عَقَدِيٌّ عظيم.

عجم وعرب
كنت أسترق السمع إلى شخصين من السودان جلسا بالقرب مني يتحدثان عن المكان وقيمته الدينية والتاريخية، ومدى حبهما له، وعن هذه الفرصة التاريخية التي حظيا بها، فنظرت لهما بِحُبٍّ وَرَحَّبْتُ بهما وتعرفت عليهما وحدثتهما عن الاحتلال وعن التضييقات وعن حرماننا، واستمعت لمدى حبهما وتعلقهما بالمكان وحزنهما على حاله، وقد يكون هذا اللقاء الذي طال جعلني أغير موقفي من زيارة العرب لهذا المكان وهو تحت الاحتلال، وتحديدا للأشخاص العاديين وليس الشخصيات الاعتبارية المعروفة.. ارتباط المسلم العربي وغير العربي بالمكان تشعر به حين تلتقي بهؤلاء المسلمين في هذا المكان.

الوداع
مؤلمة تلك اللحظة التي تنتهي بها الزيارة، وتفرض عليك حالة المدينة تحت الاحتلال المغادرة، وتبدأ عيونك تودع المكان وفي قلبك غصَّة من لا يعرف هل ستكتب له زيارة مرة أخرى لهذا المكان أم ستحول إجراءات الاحتلال دون وصولك للقدس والأقصى؟ شخصيّا وقفت أمامه ودعوت الله أن يكتب لي زيارته والصلاة فيه دون احتلال، خِلْتُ نفسي مع أخوانٍ لي من دول عربية وفلسطينيين من قطاع غزة في المكان أُعَرِّفُهم عليه وأقوم بواجب الضيافة والترحيب، وجالت في النفس ألف خاطرة وخاطرة أفسدها مرور عدد من جنود وشرطة الاحتلال داخل المكان وعلى بوابة المسجد الأقصى.

هذه مقالتي وهذه رحلتي للمسجد الأقصى، نقلتها بدقة وتفاصيل لتقريب البعيد ووصف المشهد لمن يعيش خارج المكان، ذلك الذي لا يستطيع الوصول للقدس لعله يعيش بعض تفصيلاتها، داعيا الله أن يكتب لنا صلاة فيه محررا خالصا للأحرار من كل مكان.

"بإمكانكم إيضاً مطالعة خبر (الجزيرة / "ملِّيها بِالصلاة على النّبي".. نداء المقدسيين - صحف.نت) من موقع (الجزيرة.نت)"