أخبار عاجلة

الانتخابات وأمراض العراق السياسية

الانتخابات وأمراض العراق السياسية
الانتخابات وأمراض العراق السياسية

السبت 21 أبريل 2018 02:58 صباحاً

- هل الانتخابات العراقية مجدية؟ وهل تقدم فعلاً سبيلاً لمن يريد تغيير الأوضاع فــي العراق إلــى الأفضل بطريقة ديمقراطية؟ أم أن الدعوة إلــى مقاطعتها، والتي يرفعها ناشطون ومثقفون عراقيون مبرّرة؟ عــلـى طريق الإجابة عــلـى هذه الأسئلة التي تطرح، مـــع اقتراب الانتخابات العراقية، يجب تثبيت حقيقة أن الولايات المتحدة الأميركية مـــا زالت تمثل قوة الضغط الأكبر التي تفرض إجراء الانتخابات فــي وقتها، تلك حقيقةٌ، تغيرت الإدارات الأميركية أو لم تتغير، إذ أصبحت مــن ثوابت السياسة الأميركية فــي العراق، فمن بـيـن الكوارث المتسلسلة التي حلت بالعراق منذ عام 2003 يبرز إجراء الانتخابات فــي وقتها نقطة وحيدة، تستطيع أميركا أن تقول إنها أنجزتها عــلـى الصعيد الـــسـيـاسـي، وتقدمها هي والسياسيين العراقيين، أو بعضهم، سنداً لمقولة إن هناك ديمقراطية فــي العراق.
تعرف أميركا جيداً أن الديمقراطية فــي المفهوم والممارسة أكبر مــن مجرد عمليات الاقتراع، لكن الأغراض السياسية بالنسبة لواشنطن أهم وأكثر إلحاحاً مــن المبادئ. بل يمثل العراق، حتى لمن يمتلك حرصاً عــلـى القيم الديمقراطية فــي أميركا، حالة صعبة وورطة للسياسة الأميركية، تتعامل فيها وفق الحد الأدنى عــلـى أمل حدوث تحسن أو احتواء الضرر قدر الإمكان.
"الناخب العراقي، كبيراً كان ومؤثراً مثل شيخ العشيرة أو عادياً بسيطاً، يعرف تماماً أن مفاتيح الاقتصاد تكمن لدى مجموعة مــن قادة الأحزاب المتنفذين"

أما فــي العراق، فلا ينشغل الناس كثيراً بالجدل النظري، ولكن بالأسئلة العملية، مثل: هل ننتخب أم لا؟ وإذا انتخبنا فمن ولماذا؟ عملياً، أسست العملية السياسية فــي العراق، وفيها ثلاثة أمراض مزمنة يعيشها العراقيون يومياً، ولكن أعراضها تشتد مـــع كل موسم انتخابي، وتلك هي المحاصصة الطائفية والزبائنية، والنظام الاقتصادي القائم عــلـى امتلاك الأحزاب القوية الحاكمة للمزايا الاقتصادية وتوزيعها عــلـى أنصارها، والفساد المستشري فــي أجهزة الدولة. اشتداد تلك الأعراض لا يعني حكماً عدم الاكتراث بالعملية السياسية والانتخابات، بل العكس غالباً. فالأحزاب العراقية الكبيرة والمتنفذة تستند عــلـى سياسات الهوية، وادعاء التمثيل الطائفي. وفـــي موسم الانتخابات تكون الرسائل واضحة فــي تخويف الناخبين مــن احتمالات صعود الآخر الطائفي وتقويته.
لكن المحاصصة الطائفية والعقلية الطائفية، وهي المرض الأول، لم تكن لتعيش وتستمر بهذه القوة، لولا المرض الثاني، وهو النظام الاقتصادي الزبائني الذي كرّسهما، فالناخب العراقي، كبيراً كان ومؤثراً مثل شيخ العشيرة أو عادياً بسيطاً، يعرف تماماً أن مفاتيح الاقتصاد تكمن لدى مجموعة مــن قادة الأحزاب المتنفذين. وهنا يأتي المرض الثالث، وهو الفساد المستشري فــي أجهزة الدولة. وهنا لا نتحدث عـــن الفساد الصغير الذي يمارسه صغار الموظفين، بل الفساد الكبير الذي يتمثل بالعمولات الكبرى التي تدفع لكبار الــــمــسـؤولــيـن، وهو أمر أصبح معلناً ومعترفاً به، حتى مــن شخصياتٍ كبيرة، ولعل أشهر مــن تحدث عنه بوضوح كان نـائـب رئـيـس الـــوزراء العراقي الـــســـابـق، حسين الشهرستاني، فــي مقابلةٍ تلفزيونيةٍ قـــال فيها إن معظم الــــمــسـؤولــيـن يهتمون بالعمولات أكثر مــن العمل الحقيقي المنجز فــي العقود والتعاملات التي تبرمها وزاراتهم. وربما لا نحتاج للتذكير بأن العراق، ومنذ سنوات، يعد مــن أكثر الدول فساداً فــي الـــعــالــم، وفقاً للتقارير السنوية لمنظمة الشفافية الدولية. يوفر هذا الفساد إمكانات مادية كبيرة للأحزاب والقوى السياسية العراقية الطائفية، ويمثل مورداً أكبر مما تحصل عليه مــن الدعم المادي مــن القوى الخارجية غير العراقية، ولكن هذه الموارد جميعاً ّز قوتها وهيمنتها عــلـى المشهد الانتخابي، وصعوبة بل استحالة بروز قوى سياسية مختلفة، أو نجاحها انتخابياً.
تتمثل السمة الأهم والأوضح والأكثر طغياناً للنظام الزبائني فــي سيطرة قادة الأحزاب الطائفية أيضا عــلـى فرص العمل فــي القطاع الحكومي الكبير، والمتضخم، فــي العراق، وذلك عـــن طريق الـــوزراء وكبار الــــمــسـؤولــيـن الذين يعينونهم. ويمثل الحصول عــلـى فرصة عــمــل فــي الدولة هدفا كبيرا، وأحيانا أوحد لدى قطاعات واسعة مــن الناخبين العراقيين. لذلك ترى أن الناخب ينجذب حكما لمن يقدم له أمل الحصول عــلـى وظيفةٍ حكوميةٍ، توفر له ضمانا نسبيا فــي بلدٍ يتعثر فيه القطاع الخاص، ويفشل فــي توفير وظائف كافية أو بنوعية وضمانات جيدة.
تحرص أميركا عــلـى إقامة الانتخابات العراقية فــي موعدها، بل وتقدّم، هذه المرة، مساعدة فعلية عــلـى الجانبين، التقني واللوجستي، ولكن أميركا هي التي رعت النظام الـــسـيـاسـي العراقي الجديد بأمراضه، فمنذ لحظة التأسيس، أشرفت عــلـى عملية تقسيم المناصب الكبرى عــلـى أساس طائفي، كما أنها دفعت باتجاه تشكيل حكوماتٍ، يشارك فيها الجميع، ويتقاسمون المغانم، مــن غير وجود
"العقلية الطائفية المرض الأول، لم تكن لتعيش وتستمر بهذه القوة، لولا المرض الثاني، وهو النظام الاقتصادي الزبائني الذي كرّسها"
معارضة، بدعوى تمثيل الجميع، وعدم استبعاد أي طائفة. وعلى الرغم مــن النتائج التي وصل إليها العراق ونظامه الـــسـيـاسـي، تصر أميركا عــلـى رعاية مشروعها. إيران، وهي العدو المعلن لأميركا ترعى الوضع فــي العراق أيضاً، وتدعمه بعلاقاتها الواسعة والتاريخية مـــع القوى السياسية الشيعية والكردية التي أصبحت مهيمنةً فــي العراق، بل يمتد نفوذها إلــى أحزابٍ سنيةٍ كثيرة. تتدخل قوى خارجية أخرى فــي المشهد العراقي بالتأكيد، ولكن ليس بينها مــن يقترب مــن تأثير أميركا وإيران.
تأتي الانتخابات هذا العام للتذكير بالنظام الـــسـيـاسـي العراقي، ومدى عمق أمراضه. ستشارك نسبة كافية مــن الناخبين العراقيين، ولن تنجح دعوى المقاطعة. لن يحصل هذا لأن المشاركة مجدية بالضرورة، وليس لأنها توفر وسيلة للتغيير الحقيقي، ولكن لأن الأمراض السياسية هي التي تمنح الوقود للعملية الانتخابية التي جرّبها العراقيون مراراً، وعرفوا أن نتائجها لن تكون سوى مقدمة لعملية اختيار للحكومة، تتم باتفاق الأطراف الــداخــلـيـة المسيطرة، وبرعاية خارجية لا غنى عنها.

"بإمكانكم إيضاً مطالعة خبر (الانتخابات وأمراض العراق السياسية) من موقع (العربي الجديد)"

السابق أغلق علينا التلفاز في رمضان فإنه منكر!
التالى تعرف إلى التوجهات السياسية لـ4 من أبرز اللاعبين المسلمين في أوروبا