أخبار عاجلة

الصمود وحده لا يكفي - صحف نت

الصمود وحده لا يكفي - صحف نت
الصمود وحده لا يكفي - صحف نت

الخميس 1 مارس 2018 01:30 صباحاً

- لماذا لا يفكر المقاومون فــي بلادنا فــي مـــا يمكن لهم ويجب عليهم فعله بعد النصر؟ ألا يمكن أن يغير ذلـك مــن طريقتهم فــي الـــمــقــاومــة ويجعلها أكثر فاعلية؟ ولماذا يرضينا الإصرار والصمود فقط دون التفكير فــي خطوات تالية؟ أسئلة يطرحها المفكر الفلسطيني الفذ إدوارد سعيد وهو يتأمل كيف يفضل الفلسطينيون، منذ سنوات النكبة، فكرة البقاء فــي مكان واحد «خشية أن نفقد مـــا لدينا»، ومع أنهم نجحوا بشكل مشرف فــي تحقيق وعي وطني فلسطيني، لكنهم لم يتمكنوا مــن إيجاد آلية أو سياسة «لتحويل الطرد إلــى عودة، لتحويل الهزيمة والخسارة إلــى مـــا يشبه نصراً حقيقياً».
يطرح إدوارد سعيد أسئلته الداعية للتفكير والمراجعة، فــي كتاب «السلطة والسياسة والثقافة» الذي يضم أهم حواراته التي أجراها فــي الأعوام مـــا بـيـن 1976 و2000، مضيفاً أسئلة ستجدها متعلقة بكل حركات الإصلاح والتغيير فــي أوطاننا المنكوبة: «لماذا لا نستطيع التفكير جماعيا بالطريقة ذاتها التي يفكر فيها رجل أعمال فلسطيني ناجح، فهو يؤسس شركة ويجني ثمار الربح ويؤسس شيئاً ليدوم، أو أن نفعل مـــا يفعله المثقف الفلسطيني عندما يدرس موضوعاً وينتج كتاباً مهماً، هذا أمر يمكن استصلاحه وتجسيده، أما عــلـى المستوى الوطني فجميع مؤسساتنا، بلا استثناء تقريبا، تعيش حوالي عشر سنوات، ثم تموت ويبدأ كل شيء مــن جديد، نعيد اكتشاف العجلة ونبدأ مــن الصفر»، ثم يتحدث عـــن علم التفاصيل الذي يتوافر فــي حياة الكثيرين منا عــلـى المستوى الشخصي لكننا نفتقده عــلـى الصعيد الجماعي، وهو مـــا يراه مهماً فــي تفسير شيوع الانهزامية السلبية التي سادت لدى الكثيرين بعد اتفاقيات أوسلو، ودفعتهم للقبول بأن كل مـــا سيحصلون عليه مــن إسرائيل، هو فقط مـــا ستعطيه لهم إسرائيل.
«لماذا؟ ماذا حدث لإرادتنا؟ ماذا حدث لأهدافنا؟ لماذا ليست أبداً جزءاً مــن المعادلة»، يسأل إدوارد فــي حوار نشر سنة 95 فــي مجلة «دراسات فلسطينية»، روى فيه بعض تفاصيل ذهابه فــي عام 91 إلــى جــــنـوب إفريقيا بعد إطلاق سراح نيلسون مانديلا بقليل، ليكون الفلسطيني الأول الذي يذهب إلــى هناك، ويلتقي بمانديلا ووالتر سيسولو ويسألهما: كيف حدث هذا وقد كنتما إرهابيين ومنفيين وسجينين؟ فتكون إجابتهما: «أولاً لم نتخل أبداً عـــن مبادئنا، لم نغير مـــا نحارب مــن أجله. ثانياً ركزنا عــلـى البعد الدولي، لأن نجاحنا الدولي فــي إعلان نظام الفصل العنصري نظاما غير شرعي أعطى الناس فــي الداخل الأمل مــن أجل متابعة النضال». يعلق إدوارد بحزن مقارناً ذلـك الموقف بما يجري عــلـى الساحة الفلسطينية: «فــي المقابل نحن الآن لا شيء سوى مهزلة دولية، مـــا شعور الفلسطينيين عندما يرون عرفات يتبختر وكأنه يقود شيئا مـــا، بينما هو يعمل تحت إبهام السلطات العسكرية الإسرائيلية، نحن فــي حاجة إلــى تغيير نوعي للوعي، حيث نتحرك مــن مجرد محاولة البقاء إلــى محاولة التحرر والتحرك والانتصار. أعتقد أن هذا هو مـــا فشل جيلي فــي فعله. لقد كانوا فــي جــــنـوب إفريقيا غاية فــي الصلابة مــن الناحية الأستراتيجية، وغايةً فــي المرونة مــن الناحية التكتيكية، نحن عكسهم تماماً».
فــي أحد حواراته يورد إدوارد سعيد مقتطفاً مهماً يتحدث فيه الصحافي ليون ويزلتيير عـــن النفوذ اليهودي فــي ، مؤكداً أنه إذا كان الصوت اليهودي أصبح مسموعاً هناك، فليس لأن اليهود جاؤوا إلــى بلد يتميز بالترحيب الجذري تجاههم، فمعاداة السامية والكراهية التي واجهها اليهود حين جاؤوا إلــى أمريكا لا تقل بالتأكيد عـــن معاداة الإسلام الموجودة حالياً، «لكن مـــا فعله اليهود هو أنهم نظموا أنفسهم فكريا وسياسيا، أسسسوا مؤسسات كجمعية مكافحة تشويه السمعة، وأصروا عــلـى أن قضيتهم يجب أن تُسمع.. عندما وجد اليهود أنفسهم فــي ورطة، لم ينتظروا أن يفهمهم الـــعــالــم بالشكل الصحيح، تصرفوا كي ينقذوا أنفسهم»، وهو الدرس الذي يجب أن تتعلمه كل الأقليات المعرضة للهجوم والعدائية: «ليس المهم أن يفهمهم الـــعــالــم، المهم فعلا أن تفهموا أنفسكم وأن تنقذوا أنفسكم».
يتحدث إدوارد سعيد عـــن حاجتنا فــي الـــعــالــم الـــعــربـي إلــى لغة نقدية وثقافة واسعة النطاق، لا إلــى شتائم متبادلة ومرادفات بلاغية للقتل الـــسـيـاسـي، حاجتنا إلــى لغة تتطور مــن خلال نقد السلطة بشكل رئيسي، لغة تجعلنا قادرين عــلـى البوح بما نؤمن به فــي عالمنا، بدون أن يطغى علينا النموذج الأصولي المستلب تجاه الماضي، حاجتنا إلــى التخلص مــن الشعور بالريفية والعزلة، الذي يسودنا فــي الـــعــالــم الـــعــربـي، لاحظ أنه كان يقول ذلـك فــي سنة 91، وحتى الآن لم تتغير التفاصيل التي تحدث عنها، فنحن حتى الآن «لسنا طرفاً فــي النقاش الدائر فــي الـــعــالــم، لا فــي أدبنا ولا فــي أعمالنا الفكرية، عجزنا عـــن المشاركة يقع عــلـى عاتقنا بشكل كــــبـيـر، نحن فــي مركز الاهتمام العالمي، لكننا دائماً خارجه»، وهو مـــا رأى سعيد أنه لا طريق للخلاص منه «سوى بتثبيت ذواتنا، مــن خلال الاندماج بقضية أو حركة سياسية، تجعل الفرد يماثل نفسه ويربطها بقضايا متعلقة بالعدالة والمبادئ والحقيقة»، ومع أنه يسخر بمرارة مــن كون القضايا التي طالما ربط نفسه بها فاشلة، ولا أمل لديها فــي النجاح فــي المستقبل القريب، لكنه يعلن أنه «لم يفقد الأمل، ولم يُشف مــن التفاؤل، وربما كان فــي ذلـك حماقة، وربما كان التفاؤل مرضاً عُضالاً»، لكنه يبني تفاؤله عــلـى أهم درس تعلمه الفلسطينيون، وربما تعلمه بعض الإسرائيليين أيضاً، وهو أن «لا خيار عسكرياً بيننا، يمكنهم أن يذبحونا، لكنهم لن يتخلصوا مــن كل الفلسطينيين، ولن يطفئوا شعلة الوطنية الفلسطينية».
حين يسأله أحد محاوريه عـــن شعوره تجاه المعارك التي لا يتوقف عـــن خوضها، يقول إن أكثر مـــا أزعجه أنها حرمته مــن نعمة الخصوصية، بعد أن أصبح معروفاً فــي أوساط كثيرة بسبب ظهوره الإعلامي، فخرجت أفكاره عـــن نطاق سيطرته، لتجد مــن يتلقاها ويشكلها مسبقاً بما يحسبه وجهة نظره، سواء مــن زاوية التعاطف أو المنافرة، فأصبح عليه أن يبذل جهداً ضخماً كي يضبط نفسه ولا ينجرف إلــى اليأس، لأن تبادل وجهات النظر مـــع الناس أصبح مــن الصعب جداً «ينطبق هذا عــلـى الجمهور عربياً كان أم أمريكياً»، لكنه يؤكد أنه ليس مهتماً بأن يكون لديه أتباع ولا يريد لأحد أن يكون مثله، ولا يهمه تسليم الناس علباً مليئة بالأساليب المرشحة للتطبيق، فهو لا يكتب لشخص مـــا، بل بمناسبة مـــا، والأهم أنه يكتب لنفسه أيضاً، وليس لقارئه المفترض فقط.
فــي ظل وضع معقد كهذا، يعبر إدوارد سعيد عـــن توقه الدائم ككاتب مستقل إلــى حريته، وحلمه بالتخلص مــن كل هذا التشكيل المسبق لأفكاره، مستشهداً بقصة تروى عـــن الكاتب المسرحي الألماني الشرقي هاينر موللر، حين سئل بعد سقوط الشيوعية: «ألست متحمساً الآن بعد مـــا خُلعت القيود، لتكتب مسرحيات تتطرق إلــى الوضع الـــسـيـاسـي والحكومة وما إلــى ذلـك» لكنه قـــال: «لا، فــي الحقيقة تعني الحرية الآن حرية قراءة بروست، حرية البقاء فــي البيت، فــي مكتبتي»، وهي حرية لم ينلها إدوارد سعيد، لكنها لا تزال وستظل حلماً لكل كاتب عربي مستقل.
….
ـ «السلطة والسياسة والثقافة»: حــــوارات مـــع إدوارد ســـعيد ـ أعدتها وقدمتها غاوري فسواناثان ـ ترجمة نائلة قلقيلي حجازي ـ دار الآداب

٭ كاتب مصري

بإمكانكم إيضاً مطالعة خبر (الصمود وحده لا يكفي) من موقع (القدس العربي)

التالى شاه مراي… أحد ركائز مــكـتـب فرانس برس فــي كابول وشاهد عــلـى حقبة مــن الاضطرابات