أخبار عاجلة

ماذا يقترح المتحذلقون والساخرون؟ - صحف نت

ماذا يقترح المتحذلقون والساخرون؟ - صحف نت
ماذا يقترح المتحذلقون والساخرون؟ - صحف نت

الخميس 1 مارس 2018 01:12 صباحاً

- لا يمكن أن تلوم البعض عندما يصابون بخيبة الأمل والشعور باليأس أمام الأوضاع المأساوية المفجعة المجنونة التي يعيشها وطنهم الـــعــربـي، بل نتفهم عندما تقود تلك الخيبات البعض إلــى الرغبة فــي اعتزال حياتهم العامة والانكفاء داخل قوقعة الخاصة. فالمصائب والانتكاسات كثيرة، والآلام عميقة لا تطاق، ثم إن الشعور بضياع الجهود وبعقم التضحيات التي بذلوها طيلة حياتهم فــي سبيل الصالح العام يولد عند البعض مشاعر الشماتة والرغبة فــي الانتقام.
النتيجة هي انقلاب هؤلاء مــن مثقفين ومناضلين ملتزمين بقضايا أمتهم إلــى متحذلقين وساخرين مستخفين بكل شعار وفكر وممارسة، يتمسك بهم القابضون عــلـى الجمر، والمصرون عــلـى ألا يموتوا إلا وهم واقفون ومرفوعو الرأس. ولكن، هل حقا أن الوصول إلــى تلك الحالة مــن اليأس والشعور بأن الأحزاب والحكومات والجيوش قد خذلتهم يستدعي الكفر بكل شيء؟ فالنضال مــن أجل أي نوع مــن الوحدة العربية، سواء أكانت جزئية أو شاملة، هو مراهقة سياسية يجب أن نخرج منها. والحديث عـــن الفكر الاشتراكي هو هذر طوباوي تخطاه الزمن وأثبتت استحالة تحقيقه فــي الواقع تجربة الاتحاد السوفييتي الـــســـابـق، عبر سبعين سنة مــن المحاولات.
أما رفض ومقاومة الوجود الصهيوني الاستعماري الاستيطاني فــي ، فهو نوع مــن العبث الطفولي العاجز فــي السياسة، الذي يجهل كيف يتعامل مـــع الواقع الدولي، ويتعامى عـــن رؤية الإمكانيات الصهيونية التكنولوجية والسياسية والعسكرية الهائلة المدعومة مــن دولة عظمى. وأما المطالبة بالاستقلال القومي وحرية الأوطان ورفض التدخلات الأجنبية وهيمنتها عــلـى مفاصل الحياة العربية، فإنه دليل عــلـى الجهل بمتطلبات العولمة الاقتصادية وتعقيدات تشابك المصالح المتبادلة بـيـن الدول.
إنه إذن رفض لكل أفكار وشعارات وأهداف كل الأيديولوجيات التي طرحت عــلـى نطاق عربي واسع خلال القرن العشرين، سواء أكانت الأيديولوجية القومية العربية بشتى تنظيماتها السياسية، أم كانت الإسلامية السياسية بمختلف طروحاتها، أم كانت الماركسية بكل أنواع مسمياتها، أم حتى الليبرالية الكلاسيكية التي تزيحها بقوة وإصرار النيوليبرالية البراغماتية العولمية التي تجتاح عالمنا وعصرنا الحالي. إن الرفض لكل فكر أيديولوجي شامل، حتى ولو كان متماسكا، والانتقال إلــى التعامل مـــع مـــا تأتي به الأيام بصور تجزيئية لا ترابط بينها، والانصياع لحقائق الواقع بدون موازين قيمية وسياسية أو وطنية أو قومية، هو الذي تطالب تلك الجماعات بممارسته، وتعتبره دليلا عــلـى انتقالنا إلــى العقلانية والنضج الـــسـيـاسـي. حسنا، هذا هو منطقهم، فلنسأل عـــن معاني ونتائج ذلـك المنطق.
أولاَ، نحن نفترض أنهم يتكلمون بصفتهم أصحاب معرفة وثقافة، فما هي صفات ومهمات المثقفين عبر التاريخ الإنساني كله؟ هذا موضوع كــــبـيـر وواسع، ولكن يمكن اختصاره فــي أن المثقفين عبّروا دوما عـــن ضمير المجتمع، واندمجوا فكرا وممارسة فــي قضايا المصير العام، وهيأوا المجتمعات للقبول بالتغيرات المجتمعية الكبرى، مــن خلال لعب أدوار المجددين الفكريين والمصلحين الاجتماعيين فــي آن، ولعبوا كلما تطلب الأمر، أدوار حاملي المعرفة والدعاة والمناضلين، وانتهى بعضهم إلــى تحمل مرارات التهميش والسجون أو حتى الشهادة. فهل تستطيع جماعة المتحذلقين والساخرين مــن ثوابت الأمة وأحلامها، والداعين إلــى استسلامها لقدرها ولجلاديها ولمستبيحي ثرواتها، أن تدعي بأنها تتكلم كجماعة مثقفة، إذ هل تنطبق عليهم أي مــن تلك الصفات ويلتزمون بأي مــن تلك المسؤوليات؟ فاذا كانت صفة المثقف لا تنطبق عليهم، فبأي صفة يتحدثون؟ وهل نلام إن بدأنا نشم فــي أقوالهم ومواقفهم رائحة خدمة هذه الجهة الأجنبية أو تلك السلطة المحلية؟
ثانيا، لنفترض حسن النية ولنعذر الضعف الإنساني فــي هؤلاء، ولنطرح السؤال التالي: مـــا الذي يقترحونه بديلا عـــن تلك الثوابت فــي الأيديولوجيات العربية المختلفة؟ هل يقترحون القبول بتجزئة الأمة العربية الحالي إلــى دويلات ودول عاجزة أو متناحرة أو محتلة أو فقيرة؟ هل حقا أن التفكير فــي نوع اتحادي عملي ومعقول وتدرجي هو ممارسة للمراهقة السياسية؟ ألا يرون ان الـــعــالــم كله يتجه إلــى تكوين تكتلات اقتصادية أو سياسية أو أمنية قادرة عــلـى السباحة فــي بحار الـــعــالــم الحالي الهائجة والمليئة بكل أنواع الأخطار؟ هل أن المناداة بنظام عدالة اجتماعية تقود إلــى توزيع عادل للثروة، وبناء للكرامة الإنـســانـيـة فــي كل مواطن، وتوسيع أكبر للطبقة المتوسطة، وقضاء عــلـى الفقر المدقع، هي حديث عـــن أفكار بالية مـــا عادت صالحة لعصرنا العولمي الرأسمالي المتوحش؟ هل يريدون التضحية بحقوق وأحلام وتطلعات مشروعة لاثني عشر مليون فلسطيني عربي باسم الواقعية السياسية فــي التعامل مـــع الفكر والممارسات والجرائم الصهيونية؟ وماذا عـــن مشروع إسرائيل الكبرى مــن الفرات إلــى النيل؟ هل سيقبلونه بدون مقاومة له ولحامليه وداعميه؟ مـــا الذي يقترحونه لإيقاف التدخلات والاحتلالات والابتزازات والنهب للثروات التي تمارسها القوى الاستعمارية بحق الوطن الـــعــربـي كله؟ هل يرضيهم انتقال الحل والعقد لكل قضية عربية إلــى يد الآخرين، وموت الجامعة العربية البطيء، وتمزيق كل تجمع إقليمي عربي؟ مـــا الذي يقترحونه لمواجهة هذا الوضع المأساوي فــي حياة كل العرب؟
لن نقبل بسماع قهقهات هؤلاء المتحذلقين ولعبهم بالنار، واستخفافهم بكل ثوابت مطروحة لإخراج هذه الأمة مــن تخلفها التاريخي، ومن ضعفها المذل وهي تنتظر الموت. إذا كانت لديهم أفكار أفضل، تحمي هذه الأمة وتخرجها مــن الجحيم الذي تعيشه، فليقدمونها، وإلا فليسكتوا وليدعوا الآخرين ليقبضوا عــلـى الجمر. مـــا يوجع القلب أننا أصبحنا نعيش فــي عصر عربي لا يتصف بتواضع مثقفيه، وإنما بصلف بعضهم إلــى حدود الجنون والانتحار.
كاتب بحريني

بإمكانكم إيضاً مطالعة خبر (ماذا يقترح المتحذلقون والساخرون؟) من موقع (القدس العربي)

السابق عباس يبحث مــن المستشفى التطورات الفلسطينية مـــع السيسي
التالى وفاء عامر تكشف سر المشهد المحذوف مــن "نسر الصعيد"